أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
314
العقد الفريد
ومطرّف يريان التورية ، وكان سعيد بن جبير لا يرى ذلك ؛ فلما قدّم له الشعبي قال : أكافر أنت أم مؤمن ؟ قال : أصلح اللّه الأمير ، نبا بنا المنزل ، وأجدب بنا الجناب « 1 » ، واستحلسنا « 2 » الخوف ، واكتحلنا السهر ، وخبطتنا فتنة لم نكن فيها بررة أتقياء ، ولا فجرة أقوياء . قال الحجاج : صدق واللّه ، ما برّوا بخروجهم علينا ولا قووا ، خلّيا عنه . ثم قدّم إليه مطرّف بن عبد اللّه ، فقال ل : أكافر أنت أم مؤمن ؟ قال : أصلح اللّه الأمير ، إن من شق العصا ، ونكث البيعة ، وفارق الجماعة ، وأخاف المسلمين - لجدير بالكفر . فقال : صدق ، خليا عنه . ثم أتي بسعيد بن جبير ، فقال له : أنت سعيد بن جبير ؟ قال : نعم . قال : لا ، بل شقي ابن كسير ! قال : أمي أعلم باسمي منك . قال : شقيت وشقيت أمّك . قال : الشقاء لأهل النار ! قال : أكافر أنت أم مؤمن ؟ قال : ما كفرت باللّه منذ آمنت به . قال : اضربوا عنقه . موت الحجاج مات الحجاج في آخر أيام الوليد بن عبد الملك ؛ فتفجّع عليه وولّى مكانه يزيد ابن أبي مسلم كاتب الحجاج ، فاكتفى وجاوز ؛ فقال الوليد : مات الحجاج ووليت مكانه يزد بن أبي مسلم ، فكنت كمن سقط منه درهم فأصاب دينارا . وكان الوليد بن عبد الملك يقول : ألا إن أمير المؤمنين عبد الملك كان يقول : الحجاج جلدة ما بين عيني وأنفي ؛ وأنا أقول : إنه جلدة وجهي كله . عمر بن عبد العزيز وموت الحجاج : ولما بلغ عمر بن عبد العزيز موت الحجاج خرّ ساجدا ؛ وكان يدعو اللّه أن يكون
--> ( 1 ) الجناب : يقال : أنا في جناب فلان : كنفه ورعايته ، وفلان رحب الجناب وخصيب الجناب : سخيّ . ( 2 ) استحلسنا الخوف : لم يفارقنا .